الآلوسي

151

تفسير الآلوسي

الشافعي رضي الله تعالى عنه جوازه في عدّتهنّ قياساً على معتدات الوفاة لا يقال : كان ينبغي أن تقدّم هذه الآية على قوله تعالى : * ( فإذا بلغن أجلهنّ ) * ( البقرة : 234 ) لأنّ ما فيها من أحكام النساء قبل البلوغ إلى الأجل لأنا نقول : لا نسلم ذلك ، بل هي من أحكام الرجال بالنسبة إليهن ، فكان المناسب أن يذكر بعد الفراغ من أحكامهنّ قبل البلوغ من الأجل وبعده ، واستدل إلكيا بالآية على نفي الحدّ بالتعريض في القذف لأنه تعالى جعل حكمه مخالفاً لحكم التصريح ، وأيد بما روي : " من عرض عرضنا ، ومن مشى على الكلأ ألقيناه في النهر " واستدل بها على جواز نكاح الحامل من الزنا إذ لا عدّة لها ، ولا يخفى ما فيه * ( أَوْ أَكْنَنتُمْ فيأَنفُسكُمْ ) * أي أسررتم في قلوبكم من نكاحهنّ بعد مضي عدّتهنّ ولم تصرحوا بذلك لهنّ * ( عَلمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ) * ولا تصبرون على السكوت عنهنّ وعن إظهار الرغبة فيهنّ ، فلهذا رخص لكم ما رخص ، وفيه نوع ما من التوبيخ . * ( وَلَاكن لاَّ تُوَاعدُوهُنَّ سرَّاً ) * استدراك عن محذوف دل عليه * ( ستذكرونهن ) * أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن نكاحاً بل اكتفوا بما رخص لكم ، وجواز أن يكون استدراكا عن * ( لا جناح ) * فإنه في معنى - عرّضوا بخطبتهنّ - أو أكنوا في أنفسكم ولكن الخ ، وحمله على الاستدراك على ما عنده ، - ليس بشيء - وإرادة النكاح من - السر - بواسطة إرادة الوطء منه إذ قد تعارف إطلاقه عليه لأنه يسر ، ومنه قول امرئ القيس : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وأن لا يحسن - السر - أمثالي وإرادة العقد من ذلك لما بينهما من السببية والمسببية ، ولم يجعل من أوّل الأمر عبارة عن العقد لأنه لا مناسبة بينهما في الظاهر ، والمروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ - السر - هنا الجماع ، وتوهم الرخصة حينئذ في المحظور الذي هو التصريح - بالنكاح - مما لا يكاد يخطر ببال ، وعن سعيد بن جبير ومجاهد ، وروي عن الحبر أيضاً أنه العهد على الامتناع عن التزوّج بالغير - وهو على هذه الأوجه نصب على المفعولية - وجوّز انتصابه على الظرفية ، أي : لا تواعدوهنّ في السر ، على أن المراد بذلك المواعدة بما يستهجن . * ( إلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْروفاً ) * وهو التعريض الذي عرف تجويزه ، والمستثنى منه ما يدل عليه النهي أي : لا تواعدوهن نكاحاً مواعدة ما إلا مواعدة معروفة ؛ أو إلا مواعدة بقول معروف ، أو لا تقولوا في وعد الجماع أي طلب الامتناع عن الغير إلا قولكم قولاً معروفاً والاستثناء في جميع ذلك متصل ، وفي الكلام على الوجه الأوّل تصريح بما فهم من * ( ولا جناح ) * على وجه يؤكد ذلك الرفع وهو نوع من الطرد - والعكس حسن - وعلى الأخيرين تأسيس لمعنى ربما يعلم بطريق المقايسة إذ حملوا - التعريض - فيهما على - التعريض - بالوعد لها أو الطلب منها ، وهو غير - التعريض - السابق لأنه بنفس الخطبة وإذا أريد الوجه الرابع وهو الأخير من الأوجه السابقة احتمل الاستثناء الاتصال والانقطاع ، والانقطاع في المعنى أظهر على معنى : لا تواعدوهنّ بالمستهجن ولكن واعدوهن بقول معروف لا يستحيا منه في المجاهرة من حسن المعاشرة والثبات إن وقع النكاح ، وبعض قال بذلك إلا أنه جعل الاستثناء من * ( سراً ) * وضعف بأنه يؤدّي إلى كون التعريض موعوداً ، وجعله من قبيل * ( إلا من ظلم ) * ( النمل : 11 ) يأبى أن يكون استثناءاً منه بل من أصل الحكم . * ( وَلاَ تَعْزمُواْ عُقْدَةُ النِّكَاح ) * أي لا تقصدوا قصداً جازماً عقد عقدة النكاح وفي النهي عن مقدّمة الشيء نهي